لم يكن مشهد خلو الأسواق التجارية والتعاونية “الهايبر ماركت” وغيرها في بغداد مألوفاً كما هو عليه اليوم، فقد كانت تغص بأعداد كبيرة منهم طوال أيام الأسبوع إلا أن الحال تغير منذ بدأ الأزمة المالية في الأشهر الأخيرة لتصل ذروتها في هذا العام.
الأسواق الخالية تعكس حجم الكساد والركود الذي أصابها، فلا زبائن كما كان في السابق، بل أعداد قليلة ممن قدم للتسوّق واقتناء المواد الغذائية والأساسية، وأُصيب بخيبة أمل جرّاء ارتفاع أسعار المواد بشكل عام في هذه الأسواق التي أصبح الكثير يرفضون وصفها بالتعاونية.
ويقول المواطن أحمد رياض لوكالة SNN، إن “الأسعار في الأسواق التي تسمى تعاونية لا تختلف عن غيرها، حيث رفعت الشركات التي تعرض فيها منتجاتها أسعارها”.
ويضيف أن “الطبقات الوسطى والفقيرة هي الأشد تضرّراً من ارتفاع الأسعار، دون أن تتمكّن الحكومة والجهات المعنية من إيجاد مخرجات للأزمة المالية ودعم الطبقات المتضرّرة”.
بدورها، تقول المواطنة ربى سلام لوكالة SNN، إن “الغلاء أصبح خانقاً، ولم نعد قادرين على سد احتياجات الأسرة”، مؤكدة أن “الأسواق التعاونية لم تعد تسعفنا، بل على العكس أخذت تستهلكنا، فكل شيء ارتفع ثمنه، وأصبحت التكاليف باهظة”.
ويربط البغداديون خلو الأسواق من الزبائن هذه الأيام بتأخر رواتب الموظفين، والأخبار المتواترة حول الأزمة المالية وقطع المخصصات عن أصحاب الشهادات العليا، فضلاً عن التوتر الأمني الذي تشهده المنطقة.
وانسحب ركود الأسواق في بغداد على تجار الجملة وأصحاب المحال التجارية، حيث بدت الحركة في علوة جميلة وأسواق الشورجة شبه متوقفة بسبب عدم توفر الكتلة النقدية.
ويقول عباس السلامي، وهو أحد تجار الجملة في منطقة الشورجة، إن “معدل مبيعاتنا من المواد الغذائية الرئيسية انخفض إلى الربع أو أقل بسبب عدم القدرة على الشراء لدى أصحاب المحال”.
ويضيف في حديثه لوكالة SNN، أن “الحركة الاقتصادية في البلاد تتأثر بتأخر رواتب الموظفين الذين يمثلون الطبقة الوسطى التي تُعد أساس الحراك الاقتصادي”.
أما عدنان عبد الحسن الربيعي، وهو صاحب محل في منطقة الجهاد، فيقول، إن “حركة البيع والشراء تنتعش خلال استلام الموظفين لرواتبهم”.
ويشير في حديثه لوكالة SNN، إلى أن “هذا الحراك قد يستمر لعشرة أيام أو أكثر، قبل أن تبدأ حركة البيع والشراء بالتذبذب”.
ويؤكد أن “الأرباح القليلة التي يحصل عليها حالياً لا تكفي لشراء كميات كبيرة من المواد كما كان يفعل في السابق، وأن عدم توفر السيولة النقدية، تسبّب بانكماش الأسواق وأثر تأثيراً بالغاً على أصحاب المحال والتجار والمواطنين على حد سواء”.
وتلعب رواتب الموظفين، حسب خبراء الاقتصاد، دوراً كبيراً في تحريك السوق المحلية، ويؤدي تأخيرها إلى اضطراب دخول الموظفين الذين باتوا قاب قوسين أو أدنى من الإفلاس، وخلو الأسواق المحلية من الحركة.
وينوّه الخبير الاقتصادي مصطفى الفرج في حديث لوكالة SNN، إلى أنه “من الطبيعي أن يتعرّض بلد مثل العراق يعتمد على الاقتصاد الريعي إلى الأزمات الاقتصادية باستمرار ووفق العوامل الجيوسياسية “، مبيناً أن “العراق منفتح على الاستيراد من دول الجوار بشكل كبير، ولا وجود لتنوّع مصادر الدخل في البلاد”.
ويؤكد الفرج، أن “أكثر من 60% من الاستهلاك في العراق يعتمد على الدخل الشهري الثابت، وعندما تتأخر الرواتب، تتراجع القدرة الشرائية، فتدخل الأسواق في حالة ركود واضحة، تبدأ من المواد غير الأساسية وتمتد إلى المواد الغذائية والسلع الضرورية”، مشيراً إلى أن “هذا الركود لا يضر بالمواطن فقط، بل يضغط على أصحاب المحال والتجار الصغار، ويؤدي إلى تباطؤ الدورة النقدية داخل الاقتصاد، ما ينعكس سلباً على الإيرادات الضريبية والنشاط التجاري بشكل عام”.
ويلفت إلى “تضرّر الدورة الاقتصادية أيضاً بشكل مباشر، إضافة إلى تضرّر التاجر والمواطن”، موضحاً أن “انتظام الرواتب ليس خدمة اجتماعية فقط، بل ضرورة اقتصادية لحماية السوق من الشلل”.
ويشاطر الخبير الاقتصادي صادق الركابي رأي الفرج حول الآثار السلبية لتأخر الرواتب، حيث يوضح في تصريح خاص لوكالة SNN، أن “ثمة أثاراً سلبية متعدّدة تترتب على تأخير الرواتب، منها آثار اقتصادية، ومنها آثار اجتماعية، وبعضها أمنية، إضافة إلى الآثار النفسية”.
ويضيف أن “الأثر الأعظم في تأخر الرواتب هو الارتباك والكساد الذي يسود السوق العراقي، إذ يحصل تآكل في البنية الأساسية للسوق بسبب توقف الحركة التجارية في الأسواق”.
ويوضح أن “تأخر الرواتب عن موعدها يتسبّب في حدوث انكماش اقتصادي من الممكن أن يتحوّل لاحقاً إلى ركود، فيما تبدأ الناس بشكل طبيعي بتقليل المصروفات إلى أكبر حد ممكن سواء كان ذلك من قبل أصحاب الرواتب أو من غيرهم”.
ويلفت إلى أن “عدم وجود نقد في السوق سيصيب الجميع بالخوف والقلق، وحينها سيصاب السوق بالشلل التام، إذ سيتسبّب حتماً بنقص حاد في الكتلة النقدية المتداولة والتي تعاني منها الحكومة أصلاً والتي هي أحد الأسباب المهمة في تأخر تسليم الرواتب”.
ويشير إلى أن “ذلك كله سينعكس سلباً وبشكل عام على الحياة الاجتماعية والنفسية والأمنية للمجتمع العراقي، وتزداد الآثار السلبية يوماً بعد يوم ما يزيد من معدلات البطالة ومؤشرات الفقر وازدياد معدلات الجريمة وغيرها”.
ويتابع أن “من واجب الحكومة بذل قصارى جهدها من أجل تأمين الرواتب في مواعيدها المحدّدة وعدم تأخيرها لأي سبب من الأسباب”.
وبحسب معنيين يعود سبب تأخر رواتب موظفي دوائر الدولة إلى عدم وجود رصيد كافٍ لدى وزارة المالية، ما أدى إلى تأخر إرسال الإشعارات إلى المصارف حتى الآن.
رابط القناة: https://t.me/snn_iraq
وكالة SNN الإخبارية وكالة اخبارية اعلامية دولية