لم يكن الموت يوماً غريباً عن الكورد.
مرّ عليهم بأشكاله كلّها ضيفا ثقيلاً لا يطرق الأبواب بل يقتحمها. جاءهم رصاصاً في الصدور وكيمياوياً في الرئات وسكاكينَ على الرقاب وجوعاً في القرى وبرداً في الجبال وإعداماً في الساحات. تغيّرت الوسائل لكن الهدف كان واحداً ألا وهو إخضاع شعبٍ لم يتعلّم يوماً كيف ينحني. ومع ذلك وعلى امتداد هذا التاريخ المثقل بالمجازر، لم يُسجَّل في دفاتر الكورد موتٌ واحد سببه الخوف. الخوف لم يسكن لغتهم ولم يتسلّل إلى عظامهم لأنهم اعتادوا أن يدفعوا ثمن الحياة كرامةً مضاعفة لا نجاةً رخيصة.
وحين فشل القتلة في كسر الروح التفتوا إلى الجسد.
وحين عجزوا عن هزيمة الفكرة امتدّت أيديهم إلى الرمز.
فلم يكتفوا بالشهادة بل لاحقوا الشهيدة بعد موتها وقطعوا ظفيرتها، كأنهم يظنّون أن الشعر هو مصدر القوة وأن الإهانة قادرة على إعادة كتابة التاريخ. لم يفهموا أن الظفيرة ليست زينة بل ذاكرة. ليست خيطاً من شعر بل خيطاً يصل المرأة بأرضها وبحريتها وبمعنى وجودها.
قطعوا الظفيرة لكنهم أيقظوا ما لا يمكن إسكاته.
أي حماقة هذه التي تظن أن المقصّ أقوى من الدم وأن الإذلال يمحو التضحية؟
ما سقط على الأرض لم يكن شعراً بل أوهام الجلادين.
فالغيرة الكوردية ذلك الإرث الثقيل النبيل ستجعل من ظفائر النساء أقدس مما كانت وستحوّل كل خصلة مقطوعة إلى شاهد وكل إهانة إلى نشيد مقاومة. من الآن فصاعداً لن تكون الظفيرة مجرد تقليد بل ستغدو رمزا للطهارة وللفداء وللشجاعة التي لا تحتاج إلى استئذان.
المرأة الكوردية لم تكن يوماً تفصيلاً هامشياً في حكاية شعبها.
ورغم خطابات الجبناء ورغم السخرية المتخفّية بعباءات الأخلاق الزائفة وقفت في الصف الأول. حملت السلاح حين كان السلاح ضرورة، وحملت الألم حين كان الألم قدراً، وحملت الذاكرة حين حاول الجميع محوها. لم تكن تابعاً ولا ظلاً ولا هامشاً. كانت سؤالاً حاداً في وجه الطغيان، وكانت جواباً عملياً لمعنى الشجاعة. ولهذا تحوّلت إلى رمز عالمي لا لأن العالم عادل بل لأن الحقيقة أحياناً تفرض نفسها حتى على العيون العمياء.
أما الذين قطعوا الظفيرة فقد عرّوا أنفسهم أكثر مما عرّوا الجسد.
كشفوا هشاشتهم وخوفهم وفراغ مفهوم الرجولة لديهم.
ولهذا لا بد من القول بلا مواربة، ليأخذ شعرات ظفيرة الشهيدة ويقدّمها لسيده الجولاني لعلّه يصنع من شعراتها شوارب، علّه يتعلّم أن الرجولة لا تُستعار من جسد امرأة شهيدة ولا تُفصَّل بالمقص ولا تُمنح بالقهر. الرجولة موقف ومن لا يملك الموقف لن تصنعه له كل ظفائر الأرض.
في النهاية لم تُهَن الشهيدة بل ارتفعت. ولم يُكسَر الرمز بل صار أثقل. أما الكورد فسيواصلون ما اعتادوه دائماً أن يدفنوا موتاهم بكرامة، ويحوّلوا الجراح إلى معنى ويعلّموا العالم مرة أخرى أن الشعوب التي لا تموت من الخوف
لا تُهزم… مهما قُطعت ظفائرها.
وكالة SNN الإخبارية وكالة اخبارية اعلامية دولية