ترمب ضد المالكي.. أزمة ترشيح تهدد مستقبل العراق

أعاد الرفض العلني الذي أبداه الرئيس الأميركي دونالد ترمب لعودة رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي إلى رئاسة الحكومة العراقية فتح واحد من أكثر الملفات حساسية في المشهد السياسي العراقي، واضعاً العملية السياسية أمام اختبار معقد يتقاطع فيه الداخلي بالخارجي والسيادي بالاقتصادي، في لحظة إقليمية ودولية شديدة الاضطراب.

فبينما ترى واشنطن في المالكي امتداداً لنفوذ إيراني تسعى إلى تقليصه، تصر قوى داخل الإطار التنسيقي الذي يجمع القوى السياسية الشيعية الحاكمة في العراق على أن اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي خالص لا يقبل الإملاءات.

وتأتي هذه الأزمة في سياق تحولات جيوسياسية أوسع، أعقبت تصعيداً عسكرياً غير مسبوق في المنطقة، وتغيراً في أولويات السياسة الأميركية، ما جعل ملف تشكيل الحكومة العراقية يتجاوز حدوده المحلية، ليغدو جزءاً من صراع النفوذ والتوازنات الإقليمية والدولية.

نهج أميركي

وفي هذا السياق، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة إكستر البريطانية، هيثم الهيتي، أن رفض ترمب لترشيح المالكي “لا يمكن فصله عن الاستراتيجية الأميركية الجديدة في العراق”، موضحاً أن هذه الاستراتيجية تقوم على رفض أي نفوذ للميليشيات أو لإيران داخل بنية الدولة.

ويشير الهيتي خلال حديثه لوكالة SNN إلى أن المالكي يُنظر إليه أميركياً بوصفه “ممثلاً لهذا النفوذ وحامياً له”، لافتاً إلى أن ترشيحه، حتى مع تقديم وعود للولايات المتحدة، كان بمثابة “محاولة للمراوغة وإخفاء دور الميليشيات لفترة مؤقتة، بانتظار تغيّر الإدارة الأميركية”.

ويعتقد الهيتي أن واشنطن تتجه اليوم نحو مقاربة مختلفة كلياً للعراق، “مقاربة قد تغيّر واقعه السياسي في المستقبل، عبر إبعاده عن المسار الإيراني، من خلال إزاحة شخصيات تمثل عمق الدولة العميقة ونفوذها الإقليمي”.

تحولات دولية

من جانبه، يربط المحلل السياسي عمر الناصر موقف ترمب من المالكي بسياق دولي أوسع، معتبراً أن الرئيس الأميركي يتحرك وفق فلسفة جديدة فرضتها التحولات الجيوسياسية الأخيرة في العالم والمنطقة.

ويقول الناصر لوكالة S NNإن الشرق الأوسط شهد بعد حرب الأيام الـ12 بين إسرائيل وإيران، إضافة إلى ملفات أخرى كاعتقال الرئيس الفنزويلي والصراع على النفط، “تحولاً في طبيعة النظام الدولي”، مشيراً إلى أن العالم بات يتجه نحو ترتيبات جديدة خارج الأطر التقليدية.

ويضيف أن “مجلس السلام في غزة”، الذي طرحه ترمب قد يشكل “نقطة تحول مفصلية في تاريخ النظام العالمي”، ما يفرض على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط أن تتكيّف بالكامل مع هذه الرؤية الجديدة.

وبحسب الناصر، فإن رفض ترمب للمالكي يندرج ضمن لعبة التوازنات بين النفوذ الإيراني والاقتصاد والطاقة، وهو ما ينسجم مع شخصية ترمب “كرجل أعمال وتاجر يضع المصالح الاقتصادية في صلب قراراته”.

ويحمّل الناصر الطبقة السياسية العراقية مسؤولية العجز عن إنتاج معايير واضحة لاختيار رؤساء الحكومات، مشيراً إلى أن التوافق الذي أُسس عليه النظام السياسي بعد 2003 لم يُترجم إلى “خارطة طريق استراتيجية”، بل بقي رهين معالجات آنية تتكرر مع كل حكومة.

ارتباك ومخاوف

بدوره، يؤكد المحلل السياسي أحمد يوسف أن موقف ترمب أحدث “إرباكاً كبيراً داخل الإطار التنسيقي”، وأحرج الجهات التي دفعت باتجاه ترشيح المالكي لولاية ثالثة.

ويوضح يوسف لوكالة شفق نيوز أن ترمب استند في رفضه إلى تجربتي المالكي السابقتين بين عامي 2006 و2014، وما رافقهما من “فوضى واضطرابات أمنية وسياسية”، فضلاً عن قناعة أميركية بوجود ارتباط وثيق بين المالكي وإيران، في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إنهاء النفوذ الإيراني في المنطقة، خصوصاً بعد التصعيد الأخير بين الطرفين.

ويرى يوسف أن الإطار التنسيقي “أخطأ في الاختيار”، لأن المالكي لا يحظى بقبول وطني شامل، ولا بغطاء إقليمي ودولي، محذراً من أن الإصرار على ترشيحه “سيعقد المشهد السياسي ويضع العراق أمام اختبار صعب”.

كما يلفت إلى مخاطر اقتصادية جدية، تتمثل بإمكانية فرض عقوبات أو إيقاف تزويد العراق بالدولار، خصوصاً أن عائدات النفط العراقي مودعة في البنك الفيدرالي الأميركي، وهو ما لوّح به ترمب صراحة عند حديثه عن وقف الدعم الأميركي في حال المضي بترشيح المالكي.

ويخلص يوسف إلى أن المرحلة تتطلب تقديم “شخصية غير جدلية، بلا تجارب حكم سلبية، وتحظى بدعم وطني عابر للمكونات”، لتجاوز العاصفة السياسية المقبلة.

صوت الإطار

في المقابل، يقرّ النائب عن منظمة بدر مختار الموسوي بوجود أسباب داخلية وراء الرفض الأميركي، معتبراً أن موقف ترمب من المالكي يرتبط بـ”الفساد المستشري في البلاد”.

ويقول الموسوي لوكالة شفق نيوز إن على الإطار التنسيقي أن “يعيد النظر في ترشيح المالكي”، مضيفاً أن “أميركا اليوم، سواء اتفقنا أم اختلفنا معها، هي اللاعب الأقوى، وهذا لا يعني الاستسلام، بل كان من المفترض منذ البداية عدم ترشيح شخصية جدلية”.

ويشير إلى أن الاعتراض على المالكي لا يأتي من الخارج فقط، بل من داخل العراق نفسه، وحتى من بعض أطراف الإطار التنسيقي، ما يعكس عمق الأزمة وتعقيدها.

وفي خضم هذه الأزمة، تتجه الأنظار مساء اليوم الأربعاء إلى اجتماع الإطار التنسيقي الطارئ، حيث أفاد مصدر في الإطار لوكالة شفق نيوز بأن قيادة الإطار دعت أعضائها للاجتماع في مكتب رئيس ائتلاف دولة القانون نوري المالكي لمناقشة الموقف الأميركي الأخير وما قد يفرضه على مستقبل العملية السياسية في العراق.

رابط القناة: https://t.me/snn_iraq

لمتابعة آخر الأخبار اشترك في قناتنا على تلغرام:

شبكة أخبار SNN

عن sherin

شاهد أيضاً

قتلى وآلاف الحوادث ودمار واسع خلفتها “كريستين” في البرتغال وإسبانيا

أسفرت عاصفة “كريستين” التي ضربت البرتغال وإسبانيا عن مصرع خمسة أشخاص وآلاف الحوادث ودمار واسع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *