شجرة “مباركة” وجذور “مشاكسة”.. حكاية السدر في شوارع بغداد

منذ أكثر من 20 عاماً، زرعت الحاجة أم كريم شجرة سدر (النبق) أمام منزلها في العاصمة العراقية بغداد، ودأبت على سقيها ورعايتها حتى أينعت واستطالت وأتت ثمارها.

لم تكتف هذه الحاجة بزراعة الشجرة وحسب، بل ربطت إلى جذعها آنية فخارية كبيرة تعرف بـ”الحب أو الحبانة”، تملؤها بالماء يومياً ليشرب منه العابرون، ضمن تقليد راسخ عند كثيرين بأن شجرة السدر من الأشجار المباركة التي حيكت حولها العديد من الحكايات الشعبية.

تقول الحاجة أم كريم لوكالة SNN إن “شجرة السدر من الأشجار المباركة، وكان نبي الإسلام محمد يغتسل بأوراقها”، مشيرة إلى أن زرعها لهذه الشجرة يأتي من أجل “طلب الرزق ودفع الشر والأسقام”.

وتضيف بأنها تقوم بين فترة وأخرى بتشذيب أوراق وجذور هذه الشجرة التي تنمو عميقاً وتتسبب بشكاوى بعض الجيران من انغلاق مجاري الصرف الصحي بسببها، مؤكدة أن جيرانها حاولوا إقناعها بقطع هذه الشجرة، لكنها تمسكت بها، لأن “قطعها يصيب عائلتها بالسوء”.

وبين الاعتقادات الشعبية حول شجرة السدر، وحقيقة الموقف الديني منها، يؤكد الشيخ حازم آل راضي، أحد أئمة المساجد في بغداد لوكالة SNN أن “شجرة السدر من أشجار الجنة”، وورد ذكرها في بعض السور القرآنية.

ويضيف، أن ذكر هذه الشجرة في القرآن الكريم يجعل لها مكانة خاصة عند المسلمين، وأن “اقتلاعها أو حرقها أمر مكروه”، وأنه لا يجب الاعتقاد أو التفكير بهذه الشجرة انطلاقاً من حكايات وروايات ليس لها سند، إنما يجب التعامل معها بوصفها “شجرة مباركة” بنص القرآن ويجب النظر إليها من هذا المنظار.

وينوه إلى أن “ذكرها لم يأت عبثاً، إذ أن لهذه الشجرة العديد من المزايا والصفات الخاصة التي تجعلها متميزة”.

وتمتاز أشجار السدر بجذور عميقة تنمو داخل الأرض، وكثيراً ما تتسبب بغلق مجاري مياه الصرف الصحي، وهو ما يجعل زراعتها داخل المدن أو البيوت أمراً غير محبب.

وفي هذا الصدد، يقول مدير دائرة البستنة والغابات في وزارة الزراعة، بسام كنعان، إن زراعة شجرة السدر داخل المدن “أصبح غير مفيد” بسبب جذورها الوتدية العميقة.

ويضيف كنعان لوكالة SNN أن “وزارة الزراعة كثفت من عملها في زراعة أشجار السدر في مناطق أطراف بغداد، وفي الوزارات والمؤسسات الحكومية التي تتمتع بمساحات واسعة”.

ويؤكد أن “شجرة السدر تعد من أفضل الأشجار المستخدمة لمقاومة التصحر، لأن لها ميزة تكوين عقل من التربة الناعمة التي تحجز الرمال، فيما يدفع تشابك هذه الشجرة وكثرة أشواكها الطيور لبناء أعشاشها، حيث يعتبر رحيق أزهارها من أفضل ما يتغذى عليه النحل الذي ينتج عسل السدر”.

ورغم ما تسببه جذور أشجار السدر من غلق المجاري، إلا أن هذه الأشجار، حسب معنيين، تمتلك قيمة اقتصادية ودوراً بيئياً مهماً.

وفي هذا السياق، يوضح الأستاذ في كلية الزراعة بجامعة بغداد، عبد الكريم جابر، أن “شجرة السدر تعد من الأشجار المعمرة ذات القيمة البيئية العالية، حيث تلعب دوراً محورياً في تحسين النظام البيئي المحلي، عبر مساهمتها في تثبيت التربة ومنع انجرافها، خاصة في المناطق الجافة وشبه الجافة، كما تعمل على تحسين خواص التربة من خلال زيادة المادة العضوية وتقليل التعرية”.

ويضيف جابر لوكالة SNN أن “شجرة السدر تمتلك قيمة اقتصادية مهمة إلى جانب دورها البيئي، إذ تعد من المصادر الرئيسة لإنتاج عسل السدر عالي الجودة، والذي يصنف من أغلى أنواع العسل لقيمته الغذائية والعلاجية وارتفاع الطلب عليه محلياً وإقليمياً”.

كما ينوه إلى أن “أوراق السدر تستخدم في الصناعات الدوائية والتجميلية والطب الشعبي، وهو ما يفتح آفاقاً للاستثمار في المشاريع الصغيرة والمتوسطة القائمة على المنتجات الطبيعية”.

ويشير إلى ضرورة “استغلال ثمار وأخشاب هذه الشجرة بصورة مستدامة من خلال إدارتها بشكل صحيح ودون الإضرار بدورة حياة الشجرة”.

ويؤكد جابر أن “زراعة أشجار السدر يسهم في خفض التكاليف المرتبطة بمكافحة التصحر ومعالجة تدهور الأراضي، مقارنة بالحلول الهندسية المكلفة ما يجعلها خياراً اقتصادياً فعالاً في برامج التنمية الزراعية المستدامة”.

ويلفت إلى أن “الحفاظ على أشجار السدر وتنظيم زراعتها لا يمثل عبئاً على المجتمع، بل يعد استثماراً طويل الأمد يحقق عوائد اقتصادية وبيئية متوازنة، خاصة في المناطق الريفية وشبه الحضرية”.

ومن الناحية المناخية، يبين جابر أن “شجرة السدر تُسهم في امتصاص كميات ملحوظة من غاز ثاني أكسيد الكربون وتلطيف درجات الحرارة المحيطة، إضافة إلى توفير الظل وتقليل ظاهرة الجزر الحرارية في المناطق السكنية”.

ويكمل أن “انتشار جذور هذه الشجرة لمسافات بعيدة، يعد سلوكاً طبيعياً للأشجار التي تتأقلم مع نقص المياه، ويمكن التعامل معها بأساليب علمية مدروسة مثل إنشاء حواجز للجذور بعمق مناسب، واختيار مواقع زراعة بعيدة عن شبكات الصرف الصحي والأساسات، إضافة إلى تقليم الجذور بشكل دوري بإشراف مختصين”.

وخلص إلى أن “قطع شجرة السدر بسبب هذه المشكلات يؤدي إلى خسارة بيئية كبيرة، بينما يمكن للإدارة السليمة والتخطيط المسبق الاستفادة من فوائد شجرة السدر البيئية والاقتصادية، بما في ذلك استخدامها في مشاريع التشجير ومكافحة التصحر ودعم التنوع الحيوي”.

رابط القناة: https://t.me/snn_iraq

لمتابعة آخر الأخبار اشترك في قناتنا على تلغرام:

شبكة أخبار SNN

عن sherin

شاهد أيضاً

روائح وتمارين دماغية لاسترجاع حاسة الشم بعد الإصابة بكوفيد

أفاد المكتب الإعلامي لجامعة سيتشينوف الطبية، أن علماء الجامعة يدرسون فعالية التدريب الشمي في استعادة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *