بالشموع والدعوات.. البغداديون يحيون “صينية زكريا”

“يا زكريا عودي عليّ”، بهذه الترنيمة الشهيرة التي يرددها الأطفال، تُحيي العائلات البغدادية، اليوم الأحد، مناسبة “صينية زكريا”، التي باتت جزءا من الموروث الشعبي.

وتعود جذور المناسبة، إلى طلب النساء الذرية من الله سبحانه وتعالى، عبر استذكار كيف طلب النبي زكريا من الله ولدا ووهبه يحيى، ما دفع النساء لعمل هذه الصينية وتحديد هذا اليوم لتحقيق طلبهن، قبل أن تتحول إلى مناسبة متوارثة.

توقد في الصينية الشموع لطلب الأمنيات، ولعل نبات الآس “الياس”، من أبرز ما يميزها، إلى جانب مختلف أنواع الحلويات، مع فخاريات خاصة مثل “التنك” وهي أماكن توضع فيها الشموع وتكون على نوعين، واحدة خاصة بالأولاد وأخرى للبنات.

الموظفة، الشابة ميسم الجنابي، أضاءت في دائرتها الشموع وجلبت معها قطعاً من الكيك والحلوى لتقوم بتوزيعها على زملائها، وسط دعوات بالنجاح بين الجميع، بهذه المناسبة.

وتقول ميسم لوكالة  SNN: “منذ صغري كنت اراقب جدتي وهي تجمعنا بيوم زكريا لتقدم لنا الحلوى والكيك وتوقد الشموع، وتطرق ابواب الجيران لتقدم لهم الحلوى بالمناسبة”.

وتضيف: “بدورنا نستقبل مايقدمه لنا ابناء المحلة في زكريا من حلوى ومعجنات وشموع ابتهالا بهذه المناسبة المعتادة في منطقة الاعظمية”، مبينة “لم أكن اعلم حينها ما هي صينية زكريا ولماذا يحتفل بها الأهل وابناء المحلة، إلا انني وبعد ان نضجت فهمت، وواصلت الاحتفاء بزكريا حتى اليوم”.

وتشير إلى أن “الاحتفاء بيوم زكريا يأتي لاستجابة الله لنبيه زكريا ووهب له يحيى ولدا صالحا ونبيا، ودعواتنا نحن بهذه المناسبة لاتقتصر على الانجاب، مع انه يعد من الأولويات بالنسبة للكثير من النساء، ولكننا نسعى الى  السلامة وتحقيق الامنيات”.

ومن الأكلات في هذا اليوم، هي “الزردة”، وهي رز أصفر محلى، كما يوضع في الصينية “الحناء” إلى جانب اللقم والجكليت ومختلف أنواع الحلويات، حتى تصبح الصينية أشبه بلوجة تراثية.  

وهذا التقليد، لم يعد محصوراً بالنساء المتقدمات بالعمر، فقد اصبحن الفتيات الشابات هن من يحيين زكريا، وتقول الشابة اسراء الربيعي،: “دأبت على اقامة صينية زكريا كل عام، وانا احتفل بهذه المناسبة بحسب الظروف، قد احتفل مع الاهل او في الدائرة او مع الصديقات”.

وتؤكد أن “المكان المفضل للاحتفال بهذه المناسبة هو مقام (خضر الياس) وهو بقعة مباركة وجميلة وتشجع على الاحتفال، ولكن حملات الاعمار الراهنة بهذه المنطقة، منعتني مع العديد من العوائل البغدادية من الاحتفال بذلك المكان الجميل”.

وتشير إلى: “اننا نردد ونحن ندور بصنية زكريا على الجيران، اغنية (يا زكريا عودي عليه، كل سنة وكل عام أنصب صينية)”.

وتلفت إلى ان “هذه الاغنية التراثية تملأ نفوسنا بدفقات من البهجة والسرور، كونها تبعث في الزكريا ويتنالون شيئا من هذه الصينية التي بقيت متجددة مع الاعوام”.

وتعد احتفالات زكريا بالنسبة لكبار السن، ليست مجرد مناسبة عابرة، بل يرونها سلوكاً اجتماعياً يغذي الروابط الاجتماعية ويشيع المحبة، عبر تبادل الأدعية ومشاركة الطعام في مشهد يعكس يعكي التراث البغدادي الاصيل.

ويقول الحاج حارث السعدي، لوكالة SNN: “من الطقوس المعروفة لدى العائلات البغدادية القديمة، هو الاحتفاء بالنبي زكريا، وما يرافق هذا الاحتفاء من تضرع ودعاء وتبادل الاطعمة من خلال صينية زكريا الشهيرة”.

ويضيف: “تُنصب هذه الصينية ومعها ترتفع اصوات الحاضرين بالدعاء”، مبينا أن “هذه الطقوس التي يتشارك بها الجميل لها دلالات عميقة لدى المجتمع البغدادي”.

ويؤكد السعدي، أن “احياء يوم زكريا الذي يبعث في الناس روح الأمل، يمثل ايضا يوما متميزا للتكافل الاجتماعي والتعاون واستجابة الدعاء”.

قد يكون طلب الزواج والذرية هما من ابرز مايطلبه الناس خلال الاحتفاء بزكريا، بيد ان ذلك لايمنع من ان تكون هذه المناسبة بمختلف طقوسها التراثية، من المناسبات التي يتشارك بها الجميع ضمن مشهد يعكس التعاون والاخاء.

عن admin

شاهد أيضاً

أكد النائب عن كتلة الإعمار والتنمية، عبد الأمير المياحي، أن البرلمان العراقي استضاف عدداً من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *