تخاطر دول مجلس التعاون الخليجي، من خلال السير بحذر وتردد في علاقاتها مع العراق المنفتح عليها، متخوفة من أن العراق قد يستنتج أن الخليجيين ليسوا شركاء موثوقين وقد يتجه للبحث عن شراكات بديلة، خصوصا مع تركيا وإيران والصين وغيرها، وذلك بحسب ما خلصت إليه مؤسسة أبحاث “منتدى الخليج الدولي” التي تتخذ من واشنطن مقرا لها.
وبحسب تقرير المؤسسة المتخصصة بقضايا الخليج، الذي ترجمته وكالة SNN، فإن وقف إطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وإيران، لم يستعيد الوضع الإقليمي الذي كان قائما، وإنما أعاد تشكيله بهدوء.
وأوضح المعهد الأميركي في تقريره أن العراق الذي ينظر إليه منذ فترة طويلة من خلال عدسة التركيز الإيراني، قد يعيد تموضع نهجه وسياسته تجاه الخليج، مضيفا أن السؤال الحقيقي لا يتعلق باستعداد العراق، وإنما ما إذا كانت دول مجلس التعاون الخليجي مستعدة لاستغلال ثقله للانخراط مع العراق كجهة فاعلة إقليمية متغيرة قبل أن تضيع الفرصة.
واعتبر التقرير أنه من المهم توضيح موقف رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، عندما أبلغ ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، رفض استخدامه كنقطة انطلاق للهجمات ضد دول الخليج، حيث أنه لم يكن يصف الواقع العملياتي على أرض الواقع، وإنما كان يعبر عن موقف سياسي خلال حرب اقليمية قائمة.
ورأى التقرير أن الحرب أعادت ترتيب الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة بطرق لم يستوعبها الخليج بالكامل حتى الآن، مضيفا أن الموقف الخليجي التقليدي تجاه العراق كان يستند على فكرة الانخراط الحذر معه، مع الافتراض الدائم بأنه سيظل مساحة نفوذ لطهران، إلا أن الحرب أظهرت أن هذا الرأي لم يعد متلائما مع الحقائق في الواقع، مذكرا بأن بغداد تحركت نحو الخليج في السنوات الـ3 الماضية أكثر من تحرك دول الخليج نحو العراق.
ولهذا، تابع التقرير قائلا إن التساؤل الآن بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي هو ما إذا كانت ستلاقي العراق حيث يقف الآن، أم أنها ستسمح بإضاعة الوقت.
وذكر التقرير في هذا الإطار، بأن تواصل السوداني المبكر مع السعودية والأردن والإمارات، والذي بدأ قبل الحرب واستمر من خلالها، قاد إلى إنشاء قنوات عمل لم تكن موجودة لمعظم فترة ما بعد العام 2003.
وفي إطار ما وصفه التقرير بأنه يمثل اتجاها استراتيجيا متماسكا من جانب العراق، وليس سلسلة من الإشارات المعزولة، تناول استضافة العراق للقمة العربية العام 2025، والمشاركة في كل مبادرة إقليمية عربية أساسية، وتوسيع المشاركة التجارية بين العراق والسعودية عبر معبر عرعر، وإعلانات المملكة حول الاستثمار في العراق، والتنسيق الأمني الهادئ، وعودة العراق إلى مشاريع البنية التحتية للطاقة العربية واستضافة الاجتماعات الثلاثية مع الأردن ومصر، وجهود العراق للحد من الاعتماد على واردات الغاز الإيرانية.
وبحسب التقرير، فقد لخص السوداني موقفه هذا في مقال نشره مؤخرا في مجلة “نيوزويك” الأميركية حيث وصف العراق بأنه “دولة ربط، تربط الأنظمة السياسية، وطرق التجارة، والمصالح الإقليمية التي ينظر إليها الآخرون في كثير من الأحيان فقط من خلال عدسة التنافس”.
وفي حين لفت التقرير إلى أن كل ذلك لا يعني أن “العراق أوفى بالتزاماته الإقليمية بالكامل”، وإلى أن هناك فجوة بين مواقف العراق المعلنة والواقع العملياتي الحقيقي، وإلى أن دول الخليج محقة في التعامل معه على أنه مصدر قلق، إلا أن التقرير أكد أن السؤال الصحيح لا يتعلق بما إذا كان العراق يمثل شريكا مثاليا، ولكن ما إذا كان شريكا يمكن للخليج أن يخسره.
وقال التقرير إن “العراق الذي يقابل انفتاحه على الخليج بالحذر بدلا من الانخراط، سيستنتج في نهاية الأمر، أن الخليج ليس شريكا موثوقا به، وسيعيد توجيه دبلوماسيته وفقا لذلك”.
وتابع قائلا إن “دول مجلس التعاون الخليجي ليست الجهة الفاعلة الوحيدة التي تشكل الخيارات الخارجية للعراق”، موضحا أن تركيا التي تعتبر أكبر شريك تجاري غير نفطي للعراق ومرساة ممر طريق التنمية، هي من سيملأ الفراغ”.
وبالإضافة إلى ذلك، أشار التقرير إلى أن الشراكة التجارية الصينية ستتعزز في القطاعات العراقية التي يتردد الاستثمار الخليجي في دخولها.
وأضاف أيضاً أن “إيران ستظل وجهة للتعاون العملي على الرغم من التوترات المستمرة بشأن السيادة العراقية”.
ولفت التقرير إلى أن القيادة السياسية العراقية القادمة، ستصل إلى استنتاجاتها الخاصة حول الشركاء الإقليميين الذين يستحقون إعطاء الأولوية.
وبحسب التقرير فإن هناك ثلاث تحركات ملموسة من شأنها تعزيز العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق، أولها أنه يجب على الكويت أن تفصل نزاعها البحري مع العراق عن العلاقة الأوسع، وذلك في إشارة إلى ملف خور عبد الله المعقد الذي لن يتم حله بسرعة، بينما يقوم العراق بالامتناع عن إشعال الملف عن طريق تجنب المزيد من الطلبات من جانب واحد والسعي إلى إعادة التصديق المناسب من خلال مجلس النواب.
وثانيا، حسب التقرير، فإنه ينبغي على المملكة السعودية أن تترجم المشاركة الدبلوماسية إلى التزامات هيكلية، موضحا أن من شأن إطار التجارة والاستثمار السعودي العراقي الرسمي، على غرار الترتيبات الحالية للسعودية مع مصر والأردن، أن يشير إلى أن الرياض تنظر إلى العراق كشريك دائم وليس محاورا متقطعا. ولفت إلى أهمية أن تكون السعودية مستعدة لتسهيل وصول العراق إلى الهياكل الاقتصادية لمجلس التعاون الخليجي.
وثالثا، كما قال التقرير، فإنه يجب على دولة الإمارات توضيح ما إذا كانت مشاركتها في العراق تجارية أو استراتيجية بالدرجة الأولى. وتابع قائلاً إن الاستثمار الإماراتي في البنية التحتية والطاقة العراقية تنامى، إلا أن البعد السياسي للعلاقة لا يزال متخلفا، مضيفا أن الالتزام الإماراتي الأكثر وضوحا باندماج العراق في الخليج، بما في ذلك دعم الانخراط العراقي في الحوارات الأمنية الإقليمية، من شأنه أن يشير إلى أن أبو ظبي مستعدة للاستثمار في عملية البناء السياسي على المدى الطويل في بغداد بدلا من الاستحصال على عوائد تجارية قصيرة.
وختم التقرير قائلاً إن وقف الحرب ولو بشكل مؤقت، نافذة ضيقة أمام دول الخليج لتشكيل دور العراق في النظام الإقليمي الناشئ عن وقف إطلاق النار، مضيفا أن نافذة التعاون الوثيق بين دول مجلس التعاون الخليجي والعراق لن تغلق بشكل كبير، وإنما ستغلق بسبب الاجتماعات الضائعة، والاتفاقات المؤجلة، والحذر الذي ينتج في نهاية الأمر عراقا لم يعد يرى الخليج محاورا جديا.
وخلص التقرير إلى القول إن الحكومة العراقية الحالية تحركت نحو الخليج أكثر من أي من أسلافها فيما بعد العام 2003. مبيناً أنه “إذا ما كانت الحكومة المقبلة ستواصل هذا الاتجاه، وما إذا كان الخليج سيلاقيها، هو ما سيحدد مكانة العراق في النظام الإقليمي فيما بعد الحرب”.
رابط القناة: https://t.me/snn_iraq